الجنيد البغدادي
169
رسائل الجنيد
أعماله من الخلق أجرا ولا يميل إلى مدحه ولا ثناء يجتهد للّه تعالى في إخلاص أعماله ويريد وجهه بجميل أفعاله لا يقبل الدنيا ممن يبذلها له ولا يعرج على من انبسط بها إليه يضع الدنيا حيث وضعها خالقها ويغنيه منها ما قسمه له رازقه ولا يشتغل منها بما يزول ولا يعمل فيها بما لا يدوم منصرف بقلبه عن زينتها منحرف عن كل ما ادعى إليها من بهجة رونقها يكفيه ما قل وصفا ويجزيه ما سلم واستوى يوقف منها عند الشبهات وانصرف عن الأمور المشكلات بل هو للحلال البين تارك وفي الأخذ لما لا بد له منه مقتصد فقد أثر فيها وفي كل ما دعي إليه الزهد ولزوم الكد والعبادة يرحم من مال برغبته إليها ويرى لمن أقبل يطلبه عليها لا يراها حظا لمن طلبها ولا ثمنا يسعى من اشتغل بها ينظر إليها بعين زوالها ويقرب انتقالها فهذا محل الدنيا عنده ومكانتها في العلم بها لديه وهو مع ما وصفه لك دائم العزلة كثير الخلوة متصل الخدمة يجد راحة قلبه وقرة عينه وسر فؤاده فيما خلص من صالح العمل إلى سيده وأمل عائده ثوابه في معاده فإذا ظهر للناس في وقت اجتماعهم عليه وطلبهم العلم العتيد لديه ظهر بجميل النية وصحيح الإرادة فكان ذلك عنده بعض الأعمال المقربة الصالحة فهو لا يخلو من حال هو بها في الخلوة متعبدا وإلى اللّه تعالى فيما تقرب إليه مجتهدا ومن حاله أن يكون قد حضرته النية ويبرز للخلق فيكون للعلم ناشرا ولهم مما علمه اللّه تعالى معلما والوجل والخوف من اللّه عز وجل في أحواله والحذر والإشفاق دائما لا يفارقه يقوم بشرائط علمه ويعدل في قوله وحكمه هو من أقوم الناس بالأحكام وأعلمهم بالحلال والحرام وأبصرهم بشرائع الإسلام يقع على آثار المرسلين ويتبع سنن الأنبياء والصالحين لا يميل إلى بدعة ولا يقصر عن الأخذ بالسنة بعلم بارع محكم قوي وحال واضح بين مستوى متوسط بجميع المذاهب يتحرى لأقوم الآراء لا يميل إلى الكلام ولا يخطر به منه اهتمام ، لا يطعن على الأئمة ، ولا يزمها ، ويحب لها من الصلاح ما يعمها يرى السمع والطاعة ولا ينزع يدا من جماعة ، يرى أن الخروج على الأئمة من فعل الجهلة الفاسقين والغواة المارقين الذين يريدون الفتنة ويبتغون الفساد في الأرض أولئك العداة والفساق والظلمة المراق الذين سلكوا غير سبيل الهدى واستصحبوا الغواية والردى ومالوا بالفتنة إلى الدنيا وقد رفع اللّه عز وجل عن ذلك أقدار العلماء وجعلهم أئمة هداة نصحاء أخيار أبرار أتقياء خلصاء سعداء